الأحد، 10 يونيو، 2012

"المدن المترهلة" وتداعيات الانفجار السكاني في المراكز الحضرية




د.محمد عرب الموسوي
     لقد بلغ العالم حداً مفرطاً من التحول الحضري. ويشير عام 2007 إلى أول بداية لانتقال ما يزيد على نصف البشرية إلى المناطق الحضرية وليس الريفية. ولذلك فقد أصبح عصرنا الحالي عصر المدينة المترهلة، التي يبدأ تعدادها السكاني من 10 ملايين نسمة فما فوق. يذكر أن مدينتي نيويورك وطوكيو، كانتا المدينتان الوحيدتان اللتان بلغ تعدادهما السكاني رقماً مقارباً للعشرة ملايين نسمة في عام 1950. أما اليوم فهناك عشرون مدينة على الأقل بهذه الكثافة السكانية في مختلف أنحاء العالم، منها مدن مكسيكو وكراتشي ومانيلا ودكا ولاغوس وجاكرتا
والشاهد أن لهذا الانفجار السكاني الحضري الحالي، شواهد وسوابق تاريخية. فخلال الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، بلغ التركيز السكاني في المدن الأميركية والأوروبية حداً جعل منه جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد الصناعي. غير أن ذلك التقدم التكنولوجي الاقتصادي جاء مصحوباً بكوارث، وترهل بالبنية السكنية، ومعدلات مهولة لوفيات الأطفال، ومستويات من الفقر المدقع لا يمكن تصورها في عالم الخيال، إضافة إلى موجات من الأوبئة والأمراض, علما ان المدن كانت أكبر بحوالى عشر مرات مما كانت عليه من قبل، بينما كان الطلب على العمالة مشكوكاً فيه. ووسط كل هذا فما أفدح الخسارة!


وعلى العموم، فربما يبدو هذا التحول الحضري الهائل، مؤشراً على التحديث في عيون المتفائلين. وعليه فإن المرجح أن ينتقل المزيد من سكان الدول المتقدمة من الريف للعيش والسكن في المناطق الحضرية، بمعدل أكبر بكثير من أقرانهم في الدول النامية. وبلغة الأرقام، يمكن الإشارة إلى هذا الفارق بنسبة 74 إلى 43 %. وكما نعلم فإن المدينة هي محور النشاط الثقافي. أي أنها المكان الذي يمكِّن المبدعين من أن يبدعوا ويمارسوا شتى مواهبهم وهواياتهم. وعادة ما تنتشر في المدن الكبيرة. إلى ذلك فإن المدينة هي وبالقدر ذاته، مركز للنشاط التجاري الصناعي، وعادة ما تسهم بالنصيب الأكبر من الناتج القومي الإجمالي للدول. وفوق ذلك والأهم منه، أن المدينة عموماً تعد مركزاً للفكر والاستنارة. وكما نعرف فإن اختلاط شتى الأطياف والمشارب الثقافية لسكان المدن وتفاعلهم مع بعضهم بعضاً، عادة ما يدفع الناس إلى الخلق والابتكار، اللذين يشكلان الوقود المحرك لكافة المجتمعات الحية المزدهرة.
   ان التحول الحضري يتمخض عن طبقات اجتماعية مفقرة معدمة ومسحوقة من العاطلين عن العمل  وبالطبع فإن هذه الطبقات تعيش في حالة من اليأس والإحباط , وتأكيداً لهذه الحقيقة, نتذكر وصف الكاتب الإنجليزي "تشارلس ديكنز" لمدينة لندن في القرن التاسع عشر. او نتفحص ما كتبه "كارل ماركس" عما أسماه بـ"البروليتاريا الرثة" التي تعيش حد الفاقة والكفاف, كما يؤكد التاريخ أيضاً تفشي أوبئة الكوليرا والتيفوئيد والأنفلونزا بين سكان المدن والمراكز الحضرية، طوال الفترة الممتدة من أواسط القرن التاسع عشر وحتى القرن العشرين, الاان التقدم التكنلوجي كان له الاثر البالغ في انحسار هذه المظاهر السلبية للمدينة، نتيجة للتحسن الذي طرأ في أواخر القرن التاسع عشر على البنى التحتية، وتوفر مياه الشرب الصحية النظيفة، ونظم الصرف الصحي، فضلاً عن تشريعات وقوانين العمل، وتحسن النظم التعليمية إلى جانب تقدم الخدمات الطبية. وبالنتيجة فقد تحول بعض مدن أواخر القرن التاسع عشر إلى مراكز حضرية باهرة. أما اليوم، فقد أصبح في وسع "ماركس" و"تشارلز ديكنز" ارتشاف أكواب القهوة أو "الكاباتشينو" في وسط مدينة فلورنسا ، أو أن يتجولا في أحد المتاحف التي تعج بها باريس!
     غير أن هذا لا ينفي حقيقة أن المدن الأميركية والأوروبية معاً، لا تزال تكتظ بالفقراء والمُعدمين. وتعيش هذه المجموعات في منازل شديدة الزحام ولا تتوفر فيها الظروف السكنية اللائقة، إلا أن هؤلاء لم يعودوا من الفقر إلى حد الموت جراء الكوليرا وغيرها من الأوبئة التي تتفشى عادة بين الفقراء. وإذا ما تحدثنا عن فئات المهاجرين بالذات، وهي التي تشكل القسم الأكبر من هذه الطبقات الاجتماعية الفقيرة في المراكز الحضرية، فهي تؤمن -سواء كانت تقيم بشكل قانوني أم خلاف ذلك- بأن أطفالها وأجيالها القادمة سيكون نصيبها ومستقبلها أوفر حظاً وأكثر رفاهاً، قياساً إلى حالة البؤس المحيطة بالكبار الحاليين.
    غير أن واقع الهجرة من الريف إلى المدينة في الدول النامية، خاصة ما يلاحظ من تصاعد معدلاتها في كافة الدول المذكورة تقريباً، من شأنه إحباط أكثر اختصاصيي الديموغرافيا والهجرة السكانية تفاؤلاً. ففي مدن الدول النامية، ليس هناك سوى تكدس مطرد لأعداد أكبر من القادمين من الريف إلى المدينة، وهم لا يستصحبون معهم أحلام الرفاهية والازدهار اللاحقين -مثلما هو عليه حال المهاجرين إلى مدن العالم الصناعي المتقدم- وإنما يدفعهم إلى تلك الهجرة القسرية المؤلمة، عامل واحد لا غيره، هو التشبث بأهداب الحياة والبقاء، بكل ما يستطيعون! والحقيقة أن وافدي هذه الهجرة الداخلية، هم الذين يتدفقون بالآلاف والملايين إلى تلك المدن والمراكز الحضرية. ولك أن تتصور أن نحو 150 مليون مواطن صيني من سكان الريف، هجروا مواقع إقامتهم التقليدية لينتقلوا إلى المدن والمراكز الحضرية الصينية خلال العشر سنوات الماضية وهناك  أربعة تحولات ديموجرافية خطيرة سوف تؤثر على الأمن العالمي خلال القرن الواحد والعشرين وهي انخفاض الثقل النسبي لديموجرافية دول العالم المتقدم وذلك في ضوء تناقص وشيخوخة قوة العمل بها.

زيادة عدد سكان الدول الفقيرة المسلمة بالإضافة إلى أنه لأول مرة في التاريخ يتجه العالم إلى أن يكون حضرياً أكثر منه ريفياً وكل هذا يعني أنه ينبغي على صناع السياسة تكييف المؤسسات العالمية الحالية لهذه الحقائق الجديدة.

في هذا الإطار كان مقال الكاتب الأمريكي جاك جولد ستون، الأستاذ بكلية السياسات العامة بجامعة جورج ميسون الأمريكية في مجلة فورين أفيرز والذي جاء تحت عنوان: " القنبلة السكانية الجديدة: التحولات الأربعة الرئيسية التي ستغير وجه العالم"
    ويقول الكاتب أنه قبل 42 سنة قد أطلق عالم البيولوجي بول ايرلتس صيحة تحذير قوية من حدوث مجاعة عالمية في السبعينيات والثمانينات في ضوء تجاوز نمو سكان العالم لإنتاج الغذاء وموارد حيوية أخرى.
    ولكن بفضل الاختراعات الحديثة وجهود مضنية في مجال الزراعة ـ مثل الثورة الخضراءـ وانتشار برامج تنظيم الأسرة فإن مخاوف ايرلتس لم تتحقق والواقع أنه منذ السبعينيات قد زاد الناتج الاقتصادي العالمي وانخفض معدل الخصوبة بشدة خاصة في الدول المتقدمة.
والآن تتوقع هيئة الأمم انخفاض النمو السكاني العالمي بحوالي النصف بحلول عام 2050 حيث يكون وقتها عدد سكان العالم حوالي 9,15 مليار شخص في المتوسط وحتى في ضوء تزايد المشاكل البيئية أو حدوث فشل تام في التعافي من الأزمة الاقتصادية الحالية، فمن المتوقع زيادة الناتج الاقتصادي العالمي بنسبة 2 إلى 3% سنوياً وهو ما يعني أن الدخل العالمي سوف يزيد كثيراً عن عدد السكان خلال العقود القادمة حسب توقعات هيئة الأمم.
         والسؤال هنا: هل تستطيع مدن الدول النامية دعم حياة هذا السيل البشري المتدفق؟